Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترامب واتفافات إبراهام

اللواء الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

الدكتور رضا فرحات

الدكتور رضا فرحات

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن إيران واتفاقات أبراهام لتفتح بابا واسعا عن للتساؤلات حول شكل الشرق الأوسط الذي يراد له أن يتشكل في المرحلة المقبلة، ومن يملك حق رسم ملامحه وتحديد أولوياته.

اللافت في حديث ترامب لم يكن فقط حديثه عن المفاوضات مع إيران أو احتمالات الوصول إلى اتفاق معها، بل الطريقة التي قدم بها المشهد بالكامل، وكأنه يتحدث من موقع من يضع خريطة سياسية جديدة للمنطقة، ثم يطلب من الجميع التوقيع عليها والالتزام ببنودها دون نقاش.

ترامب تحدّث بوضوح شديد: إما اتفاق كبير مع إيران بشروطه، أو لا اتفاق والعودة إلى المواجهة والتصعيد، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل وسع إطار المعادلة ليضع دول الإقليم كلها داخل الصفقة، وكأن المنطقة بأكملها أصبحت جزءا من تفاوض واحد تقوده واشنطن وتحدد له المسار والنهاية.

الأخطر في هذا الطرح أن ترامب لم يتعامل مع الملف الإيراني باعتباره قضية تخص البرنامج النووي أو الأمن الإقليمي أو مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران فقط، وإنما قدّمه باعتباره مدخلا لإعادة هندسة الإقليم سياسيًا واستراتيجيًا عبر توسيع اتفاقات أبراهام وربطها بأي تسوية محتملة مع إيران.

بمعنى آخر، لم يعد المطلوب – وفق هذا التصور – مجرد احتواء إيران أو ضبط سلوكها الإقليمي، بل إعادة ترتيب شبكة التحالفات والعلاقات في الشرق الأوسط بأكمله داخل إطار سياسي جديد تُمسك الولايات المتحدة بخيوطه الرئيسية.

وحين يذكر ترامب أسماء دول مثل السعودية وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان باعتبارها جزءا من هذا التصور، ثم يربط انضمامها للاتفاقات بمستقبل الصفقة مع إيران، فإننا هنا لا نكون أمام مبادرة سياسية تقليدية، بل أمام مشروع لإعادة تشكيل المجال السياسي للمنطقة وفق رؤية أمريكية خالصة، تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مساحة قابلة لإعادة التصميم من الخارج.

هذه اللغة تكشف بوضوح ذهنية إدارة ترى أن النفوذ الأمريكي لا يزال قادرا على إدارة التوازنات الإقليمية عبر الصفقات الكبرى، وأن واشنطن تستطيع أن تجمع الخصوم والحلفاء داخل معادلة واحدة، ثم تدفع الجميع نحوها باستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني.

لكن المنطقة ليست بهذه البساطة، الشرق الأوسط اليوم أكثر تعقيدا وتشابكا من أن يدار بمنطق الصفقة الشاملة أو القرار المفروض من فوق، لكل دولة حساباتها الخاصة، ومصالحها الوطنية، ورؤيتها لأمنها القومي، وحدود حركتها السياسية، وتعريفها الخاص لمعنى السلام والاستقرار والتوازن.

من هنا تبدو تصريحات ترامب، رغم ما تحمله من طموح سياسي كبير، أقرب إلى محاولة فرض تصور أمريكي شامل على واقع إقليمي شديد التعقيد، يصعب اختزاله في اتفاق واحد أو مظلة سياسية واحدة، كما أن الرسالة التي وجهها بأن من لا يوقع لا ينبغي أن يكون جزءا من الصفقة تحمل قدرا واضحا من الضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي، وكأن القبول بالرؤية الأمريكية أصبح معيارا لحسن النية والانخراط في مستقبل المنطقة.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: هل المطلوب بالفعل صناعة سلام إقليمي متوازن يخدم شعوب المنطقة، أم إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم حسابات النفوذ الأمريكي ومصالح واشنطن الانتخابية والاستراتيجية؟

الفرق بين الأمرين كبير، والسلام الحقيقي لا يبنى بالضغوط ولا بالإملاءات، ولا عبر إدخال الجميع في اتفاقات موحدة بصرف النظر عن خصوصية كل دولة أو طبيعة أولوياتها الوطنية. السلام المستدام يقوم على احترام السيادة الوطنية، وتوازن المصالح، والاعتراف بأن استقرار الإقليم لا يمكن أن يكون نتاج قرار يصدر من واشنطن ثم يُطلب من الجميع تنفيذه.

والحقيقة أن حديث ترامب عن ضم إيران نفسها لاحقًا إلى اتفاقات أبراهام إذا تم الاتفاق معها، يكشف حجم الرغبة الأمريكية في صناعة مشهد تاريخي كبير يُحسب سياسيًا واستراتيجيًا للإدارة الأمريكية، حتى لو بدا المشهد متناقضا أو بالغ التعقيد، لكن ما بين الطموح الأمريكي والواقع الإقليمي تبقى الحقيقة الأهم أن دول المنطقة لم تعد تتحرك باعتبارها ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية أو تنفيذ التصورات الجاهزة.

الدول العربية الكبرى باتت أكثر وعيا بمصالحها، وأكثر حرصا على استقلال قرارها السياسي، وأكثر إدراكا أن مستقبل المنطقة يجب أن يصنع من داخلها، لا أن يفرض عليها من الخارج.

الشرق الأوسط ليس فراغا سياسيا ينتظر من يعيد ترتيبه، ولا رقعة شطرنج تتحرك فوقها القطع بأوامر القوة الكبرى.

إنه إقليم حي، متحرك، مليء بالتوازنات الدقيقة، والمصالح المتشابكة، والتاريخ الثقيل، والقرارات السيادية التي لا يمكن تجاوزها، لذلك، فإن أي مشروع إقليمي جديد لن ينجح ما لم ينطلق من احترام إرادة دول المنطقة، لا من افتراض أن الجميع يجب أن يوقع لأن واشنطن قررت أن الوقت قد حان.

المنطقة تتغير بالفعل… لكن ليس بالضرورة وفق الخرائط التي يرسمها ترامب، ولا وفق اللغة التي يتحدث بها وكأنه زعيم سياسي للشرق الأوسط كله.

القرار في النهاية يبقى لأصحاب الأرض… وللدول التي تعرف جيدا أين تقف، وماذا تريد، وما الذي تقبل به… وما الذي ترفضه مهما كان حجم الضغوط.

المزيد