Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المشاهير ومسئولية التأثير.. حين يُنسى وزن الكلمة

اللواء يحيي عبد الكريم

اللواء يحيي عبد الكريم

هناك فارق كبير بين النجاح والتضحية، وبين أن تكون نجمًا وأن تكون قدوة، فليس كل من حقق ثروة أو شهرة أو مكانة استثنائية يملك تلقائيًا حق الحديث باسم الناس أو تفسير معاناتهم، أو إعادة تعريف المفاهيم الكبرى التي عاشتها المجتمعات عبر الأجيال.
خلال الفترات الأخيرة تكررت تصريحات صادرة عن شخصيات عامة، وزراء ونجوم ومسؤولين أثارت غضبًا واسعًا، ليس بسبب اختلاف سياسي أو فكري عابر، بل لأنها مست ثوابت دينية، أو استهانت بمعاناة البسطاء، أو قدمت رسائل سلبية للشباب، أو عكست انفصالًا واضحًا عن واقع الأغلبية. 
والمشكلة أن بعض المشاهير ينسون أن الجماهير لا تستمع إليهم بوصفهم أفرادًا عاديين، بل باعتبارهم نماذج مؤثرة تملك القدرة على تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتحول النجاح الشخصي إلى معيار يُقاس عليه الجميع. فعندما يتحدث أحد المشاهير عن التضحية من موقع النجومية والثروة والامتيازات، يتبادر إلى أذهان كثيرين سؤال مشروع: أي تضحية يقصد؟ 
نعم، لا أحد ينكر قيمة الاجتهاد والكفاح للوصول إلى القمة، لكن التضحية الحقيقية لا تسكن الملاعب والشاشات فقط، بل تعيش يوميًا في حياة ملايين الناس الذين يكدحون دون أضواء أو تصفيق.
التضحية الحقيقية يعرفها العامل الذي يستنزف صحته في عمل شاق ليعود بالكاد بما يكفي أسرته، ويعرفها الطبيب الذي يسهر لإنقاذ المرضى، والمعلم الذي يصنع الأجيال بصبر، ويعرفها رجال الجيش والشرطة وأجهزة الإنقاذ الذين يضعون أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن أوطانهم ومواطنيهم، هؤلاء لا تلاحقهم الكاميرات ولا تتصدر صورهم الإعلانات، لكنهم يدفعون أثمانًا أكبر بكثير من مجرد سنوات التدريب أو المنافسة.
والخطورة لا تكمن في التصريح نفسه، بل في الرسائل التي يحملها، فالكلمة الصادرة عن شخصية عامة لا تتوقف عند حدود قائلها، بل تتحول إلى نموذج ذهني يتأثر به ملايين الشباب. 
وقد شهدت الساحة العامة مرارًا شخصيات سياسية وفنية ورياضية خسرت جزءًا كبيرًا من رصيدها الجماهيري بسبب كلمات غير محسوبة، بعضهم أساء إلى قيم دينية مستقرة، وبعضهم سخر من عادات مجتمعية راسخة، وبعضهم أطلق تصريحات متعالية على الناس أو منفصلة عن واقعهم. 
وفي كل مرة كان الضرر المعنوي أكبر من أي خسارة مهنية، لأن الجماهير قد تغفر الخطأ، لكنها لا تتسامح بسهولة مع الاستعلاء أو الاستخفاف بثوابتها.
ومن ثم فإن النجومية لا تحتاج فقط إلى موهبة أو نجاح، بل تحتاج إلى وعي يوازي حجم التأثير، فالشخصية العامة لا تمثل نفسها وحدها، بل تمثل المؤسسة أو النادي أو الوزارة أو الدولة التي تنتمي إليها، وكل كلمة تصدر عنها تُحسب عليها وعلى الجهة التي تقف خلفها، وقد تتحول في لحظة إلى عبء على تاريخ طويل من الإنجازات.
ومن هنا تبرز أهمية وجود منظومات إعلامية محترفة حول الشخصيات المؤثرة، لا لتكميم الأفواه أو مصادرة الآراء، بل لضبط الرسائل العامة وتقدير أثرها قبل إطلاقها. 
فالمؤسسات الكبرى في العالم تدرك أن كلمة واحدة قد تهدم ما بنته سنوات من النجاح، وأن الصورة الذهنية التي تُصنع عبر عقود يمكن أن تتصدع بسبب تصريح عابر خرج في لحظة اندفاع أو سوء تقدير، والأمثلة عديدة لوزراء ورجال بنوك، يغلبون انتماءاتهم الرياضية على الهيبة المفترضة لشاغلي المناصب العامة العليا. 
في النهاية، لا تقاس قيمة المشاهير بما يملكون من أموال أو بطولات أو أعداد متابعين، بل بقدرتهم على الحفاظ على احترام الناس وثقتهم، فالشهرة قد تصنع نجمًا، والنجاح قد يصنع بطلا. 
لكن الوعي وحده هو الذي يصنع قدوة، والكلمة التي ترفع صاحبها في قلوب الجماهير قد تكون هي نفسها السبب في سقوطه منها إذا غابت الحكمة وحضر الغرور، فالمحبة التي تبنيها سنوات طويلة من النجاح قد تهدمها دقيقة واحدة من الحديث غير المسؤول.
فلم يعد السؤال ماذا قال المشهور؟ بل ماذا ترك قوله في عقول الناس ووجدانهم؟ 
فالتاريخ لا يتذكر فقط من حقق النجاح، بل يتذكر أيضًا كيف استخدم تأثيره، وهل كان سببًا في بناء الوعي أم في تشويشه، وبين نجومية تصنعها الموهبة، وقدوة يصنعها الوعي، تبقى المسافة كلمة واحدة، لكنها قد تكون كلمة فارقة.

والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،

المزيد