Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة التأثير بين الحقيقة والوهم

اللواء د. رضا فرحات

اللواء د. رضا فرحات

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل بين الأفراد أو مساحة لتبادل الصور والأخبار والآراء، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى قوة اجتماعية وثقافية وسياسية هائلة التأثير، أعادت تشكيل وعي المجتمعات وطريقة تفكير الأفراد، بل وغيرت معايير الشهرة والتأثير والقبول الاجتماعي بصورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

نحن نعيش اليوم عصرا رقميا مفتوحا، تجاوزت فيه الكلمة حدود المكان، وأصبح الوصول إلى الجمهور لا يحتاج إلى مؤسسة إعلامية كبرى أو منبر تقليدي أو سنوات طويلة من الحضور العام، وإنما يكفي في كثير من الأحيان هاتف محمول واتصال بالإنترنت ومنصة رقمية يستطيع من خلالها الفرد مخاطبة آلاف وربما ملايين المتابعين في وقت واحد.

هذا التحول فرض واقعًا جديدا، وخلق مساحات واسعة للتعبير والمشاركة وتبادل المعرفة، وكسر كثيرا من القيود التي كانت تتحكم في تدفق المعلومات، كما منح الفرصة لظهور نماذج ناجحة ومؤثرة استطاعت أن تقدم محتوى معرفيا أو ثقافيا أو مهنيا ذا قيمة حقيقية، ووصلت إلى الجمهور مباشرة دون وسيط؛ لكن وكما حمل هذا العالم الجديد فرصا كبيرة، فقد حمل معه أيضا تحديات أكثر تعقيدا، في مقدمتها تغير مفهوم التأثير نفسه، واختلاط الصورة بالحقيقة، والشهرة بالخبرة، والانتشار بالقيمة.

أصبح من السهل اليوم صناعة حضور رقمي لافت، وبناء صورة ذهنية جذابة، وصياغة خطاب بصري وإعلامي قادر على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الظهور، بل في القدرة على الاستمرار بالمضمون، وفي الحفاظ على المصداقية أمام اختبار الزمن.

إن الصورة الرقمية مهما بلغت جاذبيتها لا تكفي وحدها لبناء مكانة حقيقية لأن التأثير المستدام لا يصنعه الشكل فقط، وإنما تصنعه المعرفة، ويؤكده الإنجاز، وتحميه الخبرة، ويمنحه الجمهور شرعيته حين يجد فيه قيمة حقيقية تستحق المتابعة والثقة.

ومن أخطر ما أفرزه العصر الرقمي ما يمكن وصفه بـ"وهم الخبرة"، حين يختلط لدى البعض عدد المتابعين بمكانة الخبير، أو تتحول نسب المشاهدة والتفاعل إلى معيار بديل للمعرفة والكفاءة والتخصص، وهنا تصبح الشهرة الرقمية أحيانا مدخلا لتقديم آراء حاسمة في قضايا معقدة تتطلب دراسة وخبرة وفهما عميقا، وهذه الظاهرة لا ترتبط بالأفراد فقط، بل ترتبط أيضا بطبيعة المنصات الرقمية نفسها، وبالآليات التي تحكم انتشار المحتوى داخلها، الخوارزميات التي تدير هذه المنصات تمنح الأفضلية غالبا لما يثير الجدل أو الصدمة أو الاستفزاز أو التفاعل السريع، وليس بالضرورة لما يحمل أكبر قدر من المعرفة أو الدقة أو الاتزان.

ومن هنا نجد أنفسنا أمام واقع جديد أصبحت فيه المنافسة على جذب الانتباه أقوى أحيانا من المنافسة على تقديم القيمة، وأصبح المحتوى المثير أكثر قابلية للانتشار من المحتوى العميق، حتى وإن كان الأخير أكثر نفعا وأهمية للمجتمع، ورغم ذلك، يبقى وعي الجمهور هو العامل الحاسم في إعادة ضبط هذه المعادلة، المجتمعات الناضجة لا تنخدع طويلا بالمظهر وحده، ولا تستمر في منح الثقة لمن يفتقد المضمون، وقد ينجذب الناس مؤقتا إلى البريق، لكنهم في النهاية يبحثون عمن يقدم لهم معرفة حقيقية ورؤية واضحة وتجربة تستحق الاحترام.

لذلك أصبح بناء الوعي الرقمي ضرورة مجتمعية وثقافية لا تقل أهمية عن التعليم أو الإعلام أو التنمية السياسية، نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، واحترام التخصص، وتشجيع التفكير النقدي، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الشهرة والاستحقاق، وبين التأثير الحقيقي والتأثير المصنوع، كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مطالبة بدور أكبر في هذه المرحلة، ليس فقط في إنتاج المعرفة، وإنما أيضا في تدريب الأجيال الجديدة على كيفية التعامل الواعي مع المحتوى الرقمي، وكيفية قراءة الرسائل الإعلامية وتحليلها وعدم الانسياق وراء كل ما يبدو لامعًا أو متداولا.

لقد أصبح الفضاء الرقمي جزءا أساسيا من تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي الجمعي، ولم يعد ممكنا التعامل معه باعتباره مساحة هامشية أو مؤقتة، ومن ثم فإن إدارة العلاقة معه تحتاج إلى وعي وفهم ومسؤولية من الأفراد والمؤسسات معًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي صناعة الصورة لصناعة التأثير؟

الإجابة في تقديري أن الصورة قد تمنح صاحبها فرصة للانتشار والظهور السريع، لكنها لا تمنحه وحدها المصداقية أو المكانة المستقرة فالتأثير الحقيقي لا يبنى فقط بما يظهر على الشاشة، بل بما يظل حاضرا في العقول بعد أن تنطفئ الشاشة.

الزمن قد يصنع شهرة عابرة، لكن المعرفة وحدها هي التي تصنع الأثر… والإنجاز وحده هو الذي يبقى.

المزيد