Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا في اختبار الردع الحقيقي والتحالفات لا تسقط الطائرات

الباحث في الأمن الدولي والإرهاب بألمانيا

جاسم محمد  ـ باحث في الأمن الدولي والإرهاب

جاسم محمد ـ باحث في الأمن الدولي والإرهاب

تعيش أوروبا اليوم اختبارا حقيقيا لقدرتها الدفاعية بعد سلسلة من التوغلات المشتبه بها لطائرات مسيّرة روسية فوق الأراضي البلجيكية، ما أجبر بروكسل على إغلاق مطارها وتعليق عشرات الرحلات الجوية. لم تعد الحرب الهجينة الروسية مجرد سيناريو أكاديمي، بل واقع أمني يهدد قلب القارة.
وجاء الرد الغربي بإرسال بريطانيا وحدات من سلاح الجو لدعم بلجيكا، وتبعتها ألمانيا بمعدات مضادة للطائرات المسيّرة. غير أن هذا التضامن المؤقت لا يخفي القلق العميق داخل الناتو من اتساع رقعة الحربالهجينة الروسية، التي تعتمد على تقنيات الاختراق والتشويش والمعلومات المضللة بدل المدافع والصواريخ. موسكو تنفي الاتهامات، لكنها في الوقت ذاته تواصل اختبار قدرة الغرب على الصبر ورد الفعل.
الواقع أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى رؤية دفاعية موحدة. وجاءت خريطة الطريق الدفاعية التي أطلقتها المفوضية الأوروبية عام 2025 أقرب إلى مبادرة بيروقراطية من كونها استراتيجية مواجهة. 
القارة  الأوروبية  مازالت منقسمة بين دول في خط المواجهة المباشر كدول البلطيق وبولندا، وأخرى تفضل الحياد أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية. والنتيجة أن الأمن الأوروبي يدار بردود فعل متفرقة لا برؤية جماعية.
كما يواجه مشروع "جدار الطائرات المسيّرة"عقبة التمويل، إذ لا يمكن ترك دول الشرق الأوروبي وحدها تتحمل كلفة الدفاع عن القارة بأكملها. فأي تهديد لبولندا أو بلجيكا هو تهديد للناتو كله، ما يستدعي تضامنًا ماليًا واستراتيجياً حقيقياً، لا شعاراتية سياسية.
في المقابل، تمتلك أوكرانيا تجربة غنية في تطوير الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا الحرب الحديثة، وكان الأجدر بالاتحاد الأوروبي الاستفادة من خبرتها بدل الاكتفاء بدعمها عسكرياً ومالياً. فكييف قادرة على أن تكون ركيزة أساسية في بناء منظومة دفاع أوروبية مستقلة.
لكن ما يضعف هذا الطموح هو الارتهان الأوروبي المزمن للتكنولوجيا الأمريكية والإسـ ـرائيلية، وهو ما يقوض أي حديث عن استقلالية استراتيجية حقيقية. فكيف يمكن بناء دفاع أوروبي موحد بينما مفاتيح التكنولوجيا الدفاعية بيد الآخرين ؟
الهجمات المسيّرة الأخيرة ليست حادثاً عابراً، بل رسالة روسية واضحة، لموسكو أن تربك أوروبا دون أن تطلق رصاصة واحدة. وإذا لم تبادر القارة العجوز إلى مراجعة استراتيجيتها الدفاعية وتوحيد قدراتها، فإن التحالفات الورقية لن تمنع الطائرات الروسية من التحليق فوق سمائها مرة أخرى.

المزيد