في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى بإطلاق رصاصة، بل أحيانا بجملة سياسية تبدو عابرة، تصريح هنا، لقاء هناك، أو ورقة تفاوض تطرح في توقيت محسوب، لتكشف أن ما يجري خلف الكواليس أكبر كثيرا مما يظهر على الشاشات ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن إدخال سوريا في معادلة التعامل مع حزب الله لا يمكن قراءته باعتباره مجرد طرح سياسي، بل باعتباره جزءا من محاولة لإعادة صياغة المشهد الإقليمي بأكمله.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتعامل مع ملفات المنطقة بمنطقها التقليدي، وإنما بمنطق رجل الصفقات الذي يبحث دائما عن أوراق جديدة يضغط بها على خصومه وفي هذه المعادلة، لا يصبح حزب الله مجرد تنظيم مسلح، ولا تتحول سوريا إلى دولة مجاورة للبنان فحسب، وإنما إلى ورقة يمكن تحريكها ضمن لعبة أكبر عنوانها إعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يريد ترامب إشعال مواجهة بين لبنان وسوريا؟ بل: لماذا اختار هذا التوقيت تحديدا لإعادة فتح هذا الملف؟ بالتأكيد السياسة الدولية لا تعرف المصادفات، وكل تحرك يرتبط بحسابات تتجاوز الحدث نفسه وفي تقديري، تبدو واشنطن أكثر اهتماما بإعادة توزيع أعباء المواجهة مع إيران وحلفائها، بحيث لا تبقى الولايات المتحدة أو إسرائيل في صدارة المشهد، وإنما تتحول الأطراف الإقليمية إلى أدوات ضغط متبادلة.
هذه المقاربة قد تبدو منطقية من منظور المصالح الأمريكية، لكنها تحمل في داخلها قدرا كبيرا من المخاطرة، العلاقة بين لبنان وسوريا ليست علاقة حدود جغرافية فقط، وإنما علاقة مثقلة بسنوات طويلة من التعقيدات السياسية والتاريخية ولذلك فإن أي حديث عن دور سوري في الملف اللبناني سيوقظ ذاكرة لا تزال حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من اللبنانيين، بما تحمله من حساسيات تتعلق بالسيادة والاستقلال والتوازنات الداخلية.
الأخطر من ذلك أن الضغوط الخارجية لا تؤدي دائما إلى النتائج التي يتوقعها أصحابها وقد أثبتت تجارب المنطقة أن القوى السياسية والعسكرية كثيرا ما تستثمر الضغوط المفروضة عليها لإعادة بناء خطابها الداخلي ومن هنا قد يجد حزب الله في هذا الطرح فرصة لتقديم نفسه باعتباره يواجه مشروعا جديدا يستهدف لبنان، وليس مجرد تنظيم يتعرض لضغوط بسبب سلاحه أو نفوذه، وهكذا قد تتحول محاولة إضعافه إلى عامل يمنحه مساحة جديدة للحشد السياسي والشعبي.
وفي المقابل، فإن سوريا نفسها ليست في وضع يسمح لها بخوض مغامرات إقليمية جديدة بعد سنوات من الحرب والتحديات الاقتصادية والسياسية، تبدو أولويات دمشق مرتبطة بإعادة بناء الداخل واستعادة حضورها العربي والدولي، وليس الدخول في ملفات قد تعيد إنتاج أزمات تجاوزتها بصعوبة لذلك فإن أي محاولة لدفعها إلى لعب دور يتجاوز قدراتها الحالية قد تخلق لها تحديات إضافية هي في غنى عنها.
ما يلفت الانتباه أن واشنطن لم تعد تبحث عن حلول نهائية بقدر ما تبحث عن إدارة الصراع بطريقة مختلفة، و لم يعد الهدف إنهاء الأزمات، وإنما إعادة توزيعها، بحيث تنتقل الضغوط من لاعب إلى آخر، ومن ساحة إلى أخرى، بما يحافظ على توازنات تخدم المصالح الأمريكية في النهاية وهذه الاستراتيجية قد تمنح مكاسب مؤقتة، لكنها لا تصنع استقرارا دائما.
الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج يمكن نقل القطع عليها دون ثمن، هنا تمتلك كل خطوة ذاكرة، ولكل قرار امتدادات تتجاوز حدوده المباشرة، وما يبدو اليوم مجرد ورقة ضغط، قد يتحول غدا إلى أزمة إقليمية يصعب احتواؤها، خصوصا إذا تداخلت الحسابات المحلية مع الصراعات الدولية.
إن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر نقل المواجهة من جبهة إلى أخرى، أو عبر تحميل دولة أعباء صراع يخص أطرافا متعددة، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمات واحترام سيادة الدول والابتعاد عن سياسات إدارة الصراع التي أثبتت، مرارا، أنها تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه، وفي النهاية، قد تنجح القوى الكبرى في تحريك الأوراق، لكنها لا تستطيع دائما التحكم في النتائج، لأن الشرق الأوسط اعتاد أن يفاجئ الجميع، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يرسمون مستقبله.