Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجديد الخطاب الديني بين المقارنة والمقاربة

اللواء يحيي عبدالكريم

اللواء يحيي عبدالكريم

يمثّل الخطاب الديني أحد أهم أشكال التعبير الثقافي والفكري في المجتمعات الإنسانية، إذ يتجاوز كونه ممارسة شعائرية ليؤثر في القيم، والسلوك، والعلاقات الاجتماعية. 
ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، برز مفهوم تجديد الخطاب الديني بوصفه قضية إشكالية أثارت نقاشًا واسعًا بين مفكرين وعلماء من اتجاهات مختلفة.
ولا تكمن الإشكالية في مبدأ التجديد ذاته، بل في حدوده، ومجاله، ومرجعيته. ويهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية متوازنة لهذه القضية، من خلال عرض أبرز الرؤى المتداولة، ومرتكزاتها النصية والفكرية، بما يجعله قابلًا للفهم في سياق ثقافي متعدّد.
من الضروري التمييز بين الدين بوصفه وحيًا ونصوصًا مقدسة، والخطاب الديني بوصفه فهمًا بشريًا لهذه النصوص وطريقة تقديمها للناس.
فالدين في التصور الإسلامي يستند إلى نصوص ثابتة، مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما الخطاب الديني يتأثر بعوامل تاريخية واجتماعية وثقافية، وهذا التمييز معترف به في التراث الإسلامي، حيث ميّز العلماء بين النص والاجتهاد، وبين الثابت والمتغير.
بالنسبة للرؤية المتحفّظة على تجديد الخطاب الديني، يرى هذا الاتجاه أن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني قد تحمل في طياتها خطر المساس بثوابت الدين، أو إخضاع النصوص الدينية لمعايير ثقافية متغيرة. ويستند هذا الموقف إلى الاعتقاد بكمال الدين وتمامه، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3)، ويستدل هذا الاتجاه أيضًا بحديث النبي ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه)، ويُفهم من هذا الحديث التحذير من إدخال ما لا أصل له في الدين.
وتكمن قوة هذه الرؤية في حرصها على حماية المرجعية الدينية ومنع التلاعب بالنصوص، غير أن الإشكال الذي يُلاحظ عليها هو توسيع دائرة الثابت لتشمل أحيانًا اجتهادات تاريخية، مما قد يحدّ من قدرة الخطاب الديني على التفاعل مع قضايا العصر.
بينما الرؤية الداعية إلى تجديد الخطاب الديني، فينطلق هذا الاتجاه من أن الخطاب الديني، بوصفه نتاجًا بشريًا، قابل للمراجعة والتطوير، وأن تغيّر الواقع يستدعي إعادة النظر في طرق الفهم والعرض، ويركّز هذا الاتجاه على مقاصد الشريعة، أي الأهداف العامة للدين، مثل تحقيق العدل، والرحمة، ورفع الحرج.
ويستند هذا الاتجاه إلى آيات قرآنية تؤكد البعد الإنساني للدين، مثل قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: 107)، وقوله عز وجل ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 185)، كما يستشهد بقول ابن القيم:
"إن الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد".
تتميّز هذه المقاربة بقدرتها على مخاطبة الإنسان المعاصر والانفتاح على القيم الإنسانية المشتركة، غير أن التحدي الذي تواجهه يتمثل في ضبط مفهوم التجديد حتى لا يتحوّل إلى قراءة خاضعة بالكامل لضغوط الواقع أو السياق الثقافي السائد.
أما الرؤية الوسطية (التجديد المنضبط)، تسعى هذه الرؤية إلى التوفيق بين الحفاظ على الثوابت الدينية والاستجابة لمتغيرات الواقع، من خلال التمييز بين الأحكام القطعية والاجتهادية، وبين المقاصد والوسائل. 
ويعبّر عن هذا الاتجاه مبدأ فقهي معروف: " تتغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، ويستدل بممارسات تاريخية، مثل اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض القضايا، حيث راعى الظروف الاجتماعية دون إلغاء النص. كما يستند إلى قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: 16).
وتُعد هذه المقاربة أكثر اتزانًا من الناحية المنهجية، لكنها تتطلّب مستوى عاليًا من التأهيل العلمي والحوار المؤسسي، مما يجعل تطبيقها تحديًا عمليًا.
ولعل الأساس عند توجيه الخطاب الديني إلى جمهور متنوع ثقافيًا، بروز الحاجة إلى لغة عقلانية، تفسيرية، وغير صدامية، توضح القيم الدينية في بعدها الإنساني العام، دون افتراض خلفية دينية واحدة، فالخطاب المنشود ليس خطابًا دعويًا مباشرًا، بل خطابًا تواصليًا يشرح، ويُحاور، ويُقارن.
وفي ضوء ما سبق عرضه حول تجديد الخطاب الديني، يتبيّن أن هذا التجديد لا يمكن اختزاله في دعوة عامة أو موقف أيديولوجي، بل هو مسار منهجي يبدأ بآليات واضحة وينتهي بمنشودات محددة. 
وتتمثّل هذه الآليات، في المقام الأول، في التمييز الدقيق بين الثابت والمتغيّر، بما يحفظ قداسة النصوص الدينية القطعية، ويُبقي باب الاجتهاد مفتوحًا فيما يتصل بالمسائل المرتبطة بالسياق الزماني والمكاني. 
كما يبرز اعتماد منهج المقاصد الشرعية كآلية مركزية في تجديد الخطاب الديني، لما يتيحه من فهم كلي للنصوص يركّز على الغايات العامة للدين، مثل العدل والرحمة وحفظ الكرامة الإنسانية، بدل الاقتصار على القراءة الجزئية أو الحرفية.
ويكتمل هذا المسار بتجديد لغة الخطاب وأدواته، بحيث يُقدَّم الخطاب الديني بلغة عقلانية وتفسيرية، تراعي اختلاف الخلفيات الثقافية والفكرية للمتلقّين، وتستفيد من وسائل التواصل الحديثة دون الإخلال بمضمونه العلمي.
ويُعدّ تأهيل القائمين على الخطاب الديني وتفعيل الاجتهاد المؤسسي من الآليات الحاسمة في ضبط عملية التجديد، إذ يضمن الجمع بين المعرفة الشرعية وفهم الواقع المعاصر، ويحدّ من الفردية في الفتوى والاجتهاد، ويعزّز ثقافة الحوار العلمي. 
وانطلاقًا من ذلك، تتجلّى المنشودات المرجوّة من تجديد الخطاب الديني في بناء خطاب أكثر وعيًا بالواقع الإنساني، وقادرًا على ربط القيم الدينية بقضايا المجتمع المعاصر، بما يعزّز حضور الدين في المجال العام بوصفه عامل توجيه أخلاقي وإسهام حضاري. 
كما يسهم الخطاب الديني المجدَّد في مواجهة القراءات المتشددة وسوء توظيف النصوص، من خلال ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وتعزيز ثقافة التعايش وقبول الاختلاف.
وعليه، يمكن القول إن تجديد الخطاب الديني، حين يُفهم ضمن إطار منهجي متوازن، يمثّل ضرورة فكرية وثقافية، لا تهدف إلى تغيير الدين، بل إلى إعادة تقديمه بصورة أكثر وعيًا وإنسانية، تجعله قادرًا على التفاعل الإيجابي مع واقع متغيّر وعالم متعدّد الثقافات، مع الحفاظ على ثوابته ومرجعيته الأصيلة.
ويرى الكاتب أن تجديد الخطاب الديني لا يعني بحالٍ من الأحوال المساس بالثوابت المستمدة من الكتاب والسنة، لأن هذه الثوابت تمثل جوهر الدين وأساسه الراسخ. 
وإنما يكمن التجديد الحقيقي في الآليات والأساليب المعتمدة في تقديم هذا الخطاب، بحيث يواكب تحولات العصر ويستجيب لواقع الناس، وضرورة توظيف التقنيات الحديثة ووسائل التواصل المعاصرة، مع الحرص على تبسيط لغة التخاطب وجعلها أقرب إلى فهم المتلقي، دون الإخلال بالمضمون أو التفريط في القيم والأصول
والله من وراء القصد،،،
تحيا مصر، شعبًا وقيادة،،،
 

المزيد