لم يكن أحد يتوقع أن يتحول تسريب امتحان جامعي إلى أزمة سياسية تهز الحكومة الهندية، لكن ما بدأ بشكاوى من طلاب غاضبين انتهى باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، بعد أسابيع من الاحتجاجات التي اجتاحت العاصمة نيودلهي ومدنًا أخرى، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن واحدة من أكبر أزمات التعليم التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وجاءت الاستقالة بعد تصاعد الضغوط الشعبية واتساع رقعة الاحتجاجات التي قادتها حركة شبابية أطلقت على نفسها اسم «حزب الصراصير»، والتي نجحت في تحويل أزمة امتحان إلى قضية رأي عام فرضت نفسها على المشهد السياسي.
امتحان واحد.. وملايين المتضررين
تعود بداية الأزمة إلى امتحان القبول الموحد لكليات الطب المعروف باسم NEET، والذي يُعد الطريق الوحيد أمام الراغبين في دراسة الطب داخل الجامعات الحكومية والخاصة في الهند.
ويشارك في هذا الاختبار سنويًا نحو مليوني طالب، بينما لا يتجاوز عدد المقاعد المتاحة 150 ألف مقعد، ما يجعل المنافسة شديدة، ويضاعف من أهمية الامتحان بالنسبة لمستقبل الطلاب.
لكن اكتشاف تسريب أسئلة الاختبار، الذي أُجري في مايو الماضي، دفع السلطات إلى إلغائه وإعادة تنظيمه لاحقًا، وهو القرار الذي أثار موجة غضب واسعة بين الطلاب وأسرهم.
غضب في الشوارع وضغط على الحكومة
مع اتساع الاحتجاجات، تحول وزير التعليم إلى الهدف الرئيسي للمتظاهرين الذين حمّلوه مسؤولية الإخفاق في حماية نزاهة الامتحانات.
وشهدت نيودلهي تجمعات ومسيرات متواصلة، بينما احتفل المحتجون فور إعلان استقالة الوزير، معتبرين أن رحيله يمثل أول انتصار لحركتهم التي تصاعد نفوذها خلال فترة قصيرة.
من هم «حزب الصراصير»؟
برزت الحركة الاحتجاجية بشكل لافت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استطاعت خلال أيام جذب ملايين المتابعين، معتمدة على أسلوب ساخر في مخاطبة الشباب، قبل أن تنقل نشاطها إلى الشارع.
ويرى متابعون أن نجاح الحركة لم يكن مرتبطًا فقط بأزمة الامتحان، بل جاء أيضًا نتيجة تراكم حالة الإحباط بين الشباب بسبب البطالة وتكرار وقائع تسريب الاختبارات خلال السنوات الأخيرة.
الحكومة حاولت احتواء الأزمة
في محاولة لتهدئة الشارع، أعلنت الحكومة حزمة من الإجراءات، شملت التعهد بمحاسبة المتورطين في تسريب الأسئلة، إلى جانب إعداد تشريعات أكثر صرامة لمواجهة جرائم الغش وتسريب الامتحانات، مع مقترحات بفرض عقوبات مالية والسجن، وإنشاء دوائر قضائية متخصصة للفصل السريع في هذه القضايا.
كما أكد رئيس الوزراء ناريندرا مودي التزام حكومته بإصلاح منظومة الامتحانات واستعادة الثقة فيها، إلا أن هذه الوعود لم تقنع المحتجين الذين تمسكوا بمطلب رحيل وزير التعليم.
الأزمة لم تنته بعد
ورغم إعلان الاستقالة، لا يبدو أن الاحتجاجات وصلت إلى محطتها الأخيرة، إذ يطالب منظموها باتخاذ خطوات إضافية، تشمل فتح تحقيقات موسعة في ملابسات تسريب الامتحان، ومحاسبة المسؤولين عن التعامل الأمني مع المظاهرات، إلى جانب تقديم الدعم لأسر الطلاب الذين تضرروا من تداعيات الأزمة.
وتكشف هذه الواقعة حجم التحديات التي تواجه قطاع التعليم في الهند، حيث لم يعد الحفاظ على نزاهة الامتحانات مجرد قضية تعليمية، بل تحول إلى ملف يمس ثقة المجتمع في المؤسسات الحكومية، ويؤثر بشكل مباشر على مستقبل ملايين الطلاب.