Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الديمقراطية والتطرف

 عبد الستار حتيتة

عبد الستار حتيتة

أعتقد أن أغلب سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا يسعون وراء الأحزاب، ولا يذهبون لصناديق الانتخابات. كثير من العرب يرى، من تجارب كثيرة سابقة، أن الديمقراطية التي يتخللها الفساد والغلاء والضياع الأمني، لا جدوى منها، ويريد معظم العرب، بدلاً من ذلك، سلطة مركزية قوية يقودها رجل حازم وعادل، لتحقق الأمن وضمان المحاسبة وتكافؤ الفرص.

لماذا؟ في رأيي، لأن معظم سكان المنطقة عرب أو بدو. العربي الذي هو أصلاً بدوي، يؤمن بالحاجة لحاكم متفرد غير قابل للعزل، بشرط أن يكون عادلاً وصالحاً، ويقدم مطالب الناس على أي شيء آخر. هذا إرث كبير، اجتماعي وديني. ثم إنه إذا لم تتوافر هذه الشروط.. أي لا ديمقراطية ولا سلطان عادل، فإن التطرف يعمل في هكذا مناخ بكل قوة.  

الديمقراطية كلمة يونانية قديمة، تعني حكم الشعب. كثير من العرب لا يريدون هذا. الإرث الديني والبدوي، منذ نحو قرن ونصف القرن، يتعارض مع حكم الشعب. الفهم السائد للشرعية الدينية يرى الحاكم ظلاً أو وكيلاً تطبيقياً للشرع وليس صانعاً له كشأن الديمقراطيات الغربية. تسعى نسبة كبيرة من العرب لتعليق الأمور على شخص واحد، شرط أن يكون عادلاً وصادقاً ونزيهاً. ديمقراطي أو غير ديمقراطي! 

نسبة كبيرة من العرب تؤيد الديمقراطية كنظام حكم نظري، لكنها تريد ديمقراطية مبنية على الكرامة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، وليس فقط عبر الصندوق والتعددية الحزبية. أعتقد أنه منذ خلافة عمر بن الخطاب (المتوفى عام 644  ميلادياً)، لم يبصر معظم العرب أو البدو أي حاكم عادل، إلا فيما ندر. الموضوع بسيط، وما زال الناس يطالبون به. نعم.. كان ابن الخطاب يحصي أموال الحاشية قبل تولي أي منهم مناصبه، ويعزل من أثرى دون وجه حق.

حتى يومنا هذا يبحث الكثيرون عن شخص يشبه ابن الخطاب في العدل والمساواة بين الحكام والمحكومين، من العرب وغير العرب. وما زالت كلماته تتردد حتى الآن، والتي يقول فيها: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

لم ير كثير من العرب، العدل والمساواة على يد حاكم ما، إلا نذراً يسيراً، منهم علي بن أبي طالب (المتوفى عام 661  ميلادياً). عرف ابن أبي طالب بدَأبِه على حماية المال العام، واشتهر بشدة عدله دون تمييز بسبب المكانة أو الدين أو العِرق.

إذن كيف يكون التغيير في حالة انحراف الحاكم، أو قيامه بالعبث بمقدرات الدولة، وبالمال العام، وعدم تحقيق العدالة؟ يكون بالعنف. الصبر الطويل، ثم التطرف، كما حدث مع أمير المؤمنين، عثمان بن عفان (المتوفى عام 656  ميلادياً). لقد اجتمع عليه الناس وقتلوه، في داره، شر قتلة.

يبحث أغلب العرب عن ديكتاتور نزيه وعادل وشريف. لا يسعى معظم العرب إلى فتنة أخرى، يُقتل فيها الخليفة في داره، كما حدث لابن عفان. لقد حاصر المحتجون من مصر والكوفة والبصرة، منزله في المدينة المنورة، لأسابيع، ثم هجموا عليه وقتلوه. لماذا؟ كان عامة الناس يرون أن ابن عفان يماطل في رد المظالم، ويؤخر إجراء أي إصلاح حقيقي.

وهناك مثلا من بين الحكام العادلين، عمر بن عبد العزيز (المتوفى عام 720  ميلادياً)، خامس الخلفاء. فقد عمل على رد ما تم أخذه من الشعب، من سابقيه، للشعب مرة أخرى. الغريب أنه بدأ بنفسه، وبأهل بيته، وأعاد الأموال والممتلكات التي أُخذت بغير حق إلى بيت مال المسلمين. كما حرص على إلغاء الضرائب الجائرة، ومحاربة الرشوة.

على سبيل الاتعاظ، لديك المنصور بن أبي عامر (المتوفى عام 1002 ميلادياً). أخضع ابن أبي عامر أفراد عائلته وحاشيته للقانون، دون محاباة لأي منهم. دعم استقلال القضاء. كما أنه لم يسمح لأقاربه وكبار قادته بالاستعلاء على الشعب. وركز على الصرامة في المساواة بين الناس.

معروف أن العرب، تاريخياً، لديهم قدر من البغضاء لبعضهم، وللآخرين أيضاً. ابن أبي عامر (احتال ليحكم الأندلس) قلل من اعتماد البلاد على العصبية القبلية العربية، واستعان في حكمه بالبربر، وببعض الأوروبيين.

أما نور الدين زنكي (المتوفى عام 1174  ميلادياً)، فأسس دار العدل لمكافحة فساد المسؤولين وأصحاب النفوذ. كان يقضي بنفسه بين العامة وأمراء الجيش والولاة. اتبع مبدأ تحقيق العدالة. وهو من ألغى الضرائب غير الشرعية، والجمارك الجائرة. 

لديك كذلك من بين الديكتاتوريين ممن تحلوا بالترفع عن مغانم حكم الناس، صلاح الدين الأيوبي (المتوفى عام 1193  ميلادياً) الذي كان حريصاً على إنفاق أموال الدولة في خدمة الشعب. كان له مجلس يستمع فيه للشكاوى دون وساطة، ويفصل فيها دون تأخير. يقال إنه لم يترك في خزانته الشخصية ما يكفي لتكاليف جنازته!

التبادل السلمي للسلطة في مناخ ديمقراطي، يعني لكثير من العرب، حفظ الاستقرار، ومحاربة الفساد والواسطة، مع توفير مستوى معيشي وفرص عمل للجميع. هذا يتطلب الانضمام لأحزاب. انظر بعينيك. كم عربياً ينتمي لحزب سياسي؟ بل من يعرف أسماء هذه الأحزاب أصلاً؟!

المزيد