Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا أصبحت الصناعات الدفاعية الألمانية هدفًا للتجسس؟

بون ـ جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب

جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى فضاءات أكثر تعقيداً، من بينها الاستخبارات، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية. وفي هذا السياق، تبدو ألمانيا اليوم في قلب مواجهة غير تقليدية، بعدما تحولت شركاتها الدفاعية إلى أهداف محتملة لعمليات التجسس والتخريب، في ظل دورها المتنامي في دعم أوكرانيا عسكرياً.

التحذيرات الأخيرة الصادرة عن المكتب الفيدرالي لحماية الدستور الألماني (BfV) تعكس إدراكاً متزايداً بأن الصراع لم يعد يدور فقط حول امتلاك الأسلحة، بل حول حماية المعرفة الصناعية والتكنولوجية التي تقف خلف إنتاجها. فالشركات الدفاعية الألمانية أصبحت تمتلك قيمة استراتيجية متزايدة، ليس فقط بسبب إنتاجها العسكري، وإنما لأنها تمثل جزءاً من القدرة الدفاعية الأوروبية.

وتشير التحقيقات الألمانية خلال العامين الماضيين إلى تطور لافت في أساليب التجسس، يتمثل في الاعتماد على أفراد غير محترفين أو ما يُعرف بـ"العملاء منخفضي الكلفة"، الذين يتم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المراسلة لتنفيذ مهام استطلاع أو جمع معلومات أو أعمال تخريب محدودة. ويمنح هذا الأسلوب الجهات التي تقف خلفهم هامشًا أكبر للإنكار، كما يصعّب على أجهزة الأمن كشف الشبكات المرتبطة بهم.

ولم تعد المخاطر تقتصر على اختراق الأنظمة الإلكترونية أو سرقة الوثائق، بل امتدت إلى استهداف العاملين في القطاع الدفاعي، وخاصة كبار المديرين والمهندسين والخبراء، باعتبارهم يمتلكون معلومات حساسة تتعلق بالإنتاج العسكري وسلاسل الإمداد. كما أن محاولات تعطيل البنية اللوجستية أو التأثير في عمليات نقل المعدات العسكرية أصبحت جزءاً من أدوات الضغط غير المباشر في الصراع بين روسيا والغرب.

لذا تجد ألمانيا نفسها أمام تحدٍ يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي الذي يميز الصناعات الأوروبية، وبين متطلبات الأمن القومي. فالشركات الدفاعية، التي كانت تعامل سابقًا كمؤسسات اقتصادية، أصبحت اليوم جزءاً من منظومة الأمن الوطني، الأمر الذي يفرض تعزيز إجراءات الحماية الاستخباراتية والرقمية، وتطوير آليات التدقيق الأمني للعاملين، وتوسيع التعاون بين أجهزة الأمن والقطاع الصناعي.

ومن المرجح أن يدفع تصاعد هذه التهديدات الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التعاون بين أجهزة مكافحة التجسس، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفع مستوى الأمن السيبراني في الصناعات الدفاعية، باعتبارها أحد أهم عناصر الردع الأوروبي. كما ستزداد أهمية حماية سلاسل التوريد ومنشآت الإنتاج من الهجمات الهجينة التي تجمع بين التجسس والتخريب والاختراق الإلكتروني.

هكذا لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو منظومات تسليح، بل بقدرتها على حماية صناعاتها الدفاعية من الاختراق. وأصبحت حرب الظل ضمن الحرب الهجينة التي تدور خلف الكواليس عاملًا مؤثراً في ميزان القوى، وربما لا تقل أهمية عن المواجهات العسكرية المباشرة، لأنها تستهدف القدرة على إنتاج القوة قبل استخدامها في ميدان المعركة.

المزيد